الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
458
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعد ذلك دعاه - عن طريق المنطق الواضح - إلى اتباعه ، فقال : يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا فإني قد وعيت أمورا كثيرة عن طريق الوحي ، وأستطيع أن أقول باطمئنان : إني سوف لا أسلك طريق الضلال والخطأ ، ولا أدعوك أبدا إلى هذا الطريق المعوج ، فإني أريد سعادتك وفلاحك ، فاقبل مني لتنجو وتخلص من العذاب وتصل بطيك هذا الصراط المستقيم إلى المحل المقصود . ثم يعطف نظره إلى الجانب السلبي من القضية بعدما ذكر بعدها الايجابي ويشير إلى الآثار التي تترتب على مخالفة هذه الدعوة ، فيقول : يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا . من الواضح أن العبادة هنا لا تعني السجود والصلاة والصوم للشيطان ، بل بمعنى الطاعة واتباع الأوامر ، وهذا بنفسه يعتبر نوعا من العبادة . روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال : " من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله ، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس " ( 1 ) . إن إبراهيم يريد أن يعلم أباه هذه الحقيقة ، وهي أن الإنسان لا يمكن أن يكون فاقدا لخط ومنهج في حياته ، فإما سبيل الله والصراط المستقيم ، وإما طريق الشيطان العاصي الضال ، فيجب عليه أن يفكر بصورة صحيحة ويصمم ، وأن يختار ما فيه خيره وصلاحه بعيدا عن العصبية والتقاليد العمياء . ثم يذكره وينبه مرة أخرى بعواقب الشرك وعبادة الأصنام المشؤومة ، ويقول : يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا . إن تعبير إبراهيم هذا رائع جدا ، فهو من جانب يخاطب عمه دائما ب يا أبت وهذا يدل على الأدب واحترام المخاطب ، ومن جانب آخر فإن قوله أن يمسك توحي بأن إبراهيم كان قلقا ومتأثرا من وصول أدنى أذى إلى آزر ، ومن
--> 1 - سفينة البحار ، الجزء 2 ، ص 115 مادة ( عبد ) .